لقد عرف النقد العربي الحديث والمعاصر مجموعة من المناهج النقدية نتيجة الانفتاحعلى الثقافة الغربية (ترجمة واطلاعا وتعلما) كالمنهج النفسي الذي يحلل النص الأدبيمن الوجهة الشعورية واللاشعورية، والمنهج الاجتماعي الذي ينظر إلى الأدب على أنهمرآة تعكس الواقع بطريقة مباشرة قائمة على المحاكاة الحرفية أو الجدلية، والمنهجالبنيوي التكويني الذي يعتبر الأدب بنية جمالية مستقلة تعكس الواقع بمختلف مستوياتهالسوسيوتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية بطريقة غير مباشرة أو عبر التماثل.
أما المنهج البنيوي اللساني فينظر إلى النص الأدبي على أنه بنية مغلقة أونسق من العناصر اللغوية القائمة على علاقات اختلافية أو ائتلافية، بينما المنهجالسيميائي فيقوم على التفكيك والبناء من خلال دراسة النص باعتباره نظاما منالعلامات اللغوية وغير اللغوية. ولكن منهج التلقي والتقبل يركز على القارئ أثناءتفاعله مع النص الأدبي قصد تأويله وخلق صورة معناه المتخيلة. إذا، ماهي نظرة التلقيوالتقبل؟ ومن هم روادها؟ وما هي مرجعياتها الأبستمولوجية والفلسفية والأدبية؟ وماهيمرتكزاتها المنهجية؟ وما هي تطبيقاتها في الساحة النقدية العربية؟
ظهرتنظرية التأثير والتقبل في ألمانيا في أواسط الستينيات (1966م) في إطار مدرسةكونسطانس وبرلين الشرقية قبل ظهور التفكيكية ومدارس مابعد الحداثة على يدي كل منفولفغانغ إيزرWolfgang Iser (1) وهانز روبير ياوسHans Robert Jauss (2) . ومنظورهذه النظرية أنها تثور على المناهج الخارجية التي ركزت كثيرا على المرجع الواقعيكالنظرية الماركسية أو الواقعية الجدلية أو المناهج البيوغرافية التي اهتمت كثيرابالمبدع وحياته وظروفه التاريخية، والمناهج النقدية التقليدية التي كان ينصباهتمامها على المعنى وتصيده من النص باعتباره جزءا من المعرفة والحقيقة المطلقة،والمناهج البنيوية التي انطوت على النص المغلق وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصلالأدبي ألا وهو القارئ الذي ستهتم به نظرية التلقي والتقبل الألمانية أيمااهتمام.
ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركةالفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي إن الفهم الحقيقي للأدبينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسلإليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذا ونقدا وتفاعلاوحوارا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريقالقراءة وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة وهذا مايجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي لهقطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلالالبناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النصالمعرفية والإيديولوجية، أي إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا. أماالقطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالتهالملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويقوم التأويلبدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاتهوالبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصودالنص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل التأويل منالقراءة فعلا حدثيا نسبيا لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عنالزمان والمكان. لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم. لذلك يرى أمبرطو إيكو U.ECO أن هناك أنماطا من القراءة والقراء في دراساته عن النصالمفتوح والنص الغائب: 1- نص مفتوح وقراءة مفتوحة. 2- نص مفتوح وقراءةمغلقة. 3- نص مغلق وقراءة مغلقة. 4- نص مغلق وقراءة مفتوحة. (3) ولايكونالعمل الإبداعي إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعالة بين المؤلف والنص والجمهورالقارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسين: النص الذي قوامهالمعنى وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب الواقعية والخيالية والقارئ الذي يتقبل آثارالنص سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح - غضب - متعة - تهييج - نقد - رضى...) . وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي (النص) والتأثير الشعوري (القارئ) في شكل ردود تجاه حمولات النص. وهذا إن دل علىشيء فإنما يدل على أن العمل الأدبي يتموقع في الوسط بين النص والقراءة من خلالالتفاعل الحميمي والوجداني الاتصالي بين الذات والموضوع أي النص والقارئ. ومن ثم،فالعمل الأدبي أكبر من النص وأكبر من القراءة، بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهمافي بوتقة منصهرة واحدة. وإذا كانت المناهج الأخرى تركز على اتجاه واحد في القراءةمن النص إلى القارئ فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: منالنص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص على غرار القراءة الظاهراتية (الفينومينولوجية). ولا يحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا من خلال فعلالتحقق القرائي وتجسيده عبر عمليات ملء الفراغات والبياضات وتحديد ماهو غير محدد،وإثبات ما هو منفي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف على مستوى استخلاص المعاني عن طريقالفهم والتأويل والتطبيق. ولن تكون القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئالافتراضي الخيالي الذي يعيد بناء النص عن طريق نقده وتأويله انطلاقا من تجربةجمالية وفنية بعيدا عن تصور القارئ المعاصر الواقعي. والقارئ الضمني: "ليس له وجودفي الواقع، وإنما هو قارئ ضمني، يخلق ساعة قراءة العمل الفني الخيالي. ومن ثم، فهوقارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لا يرتبط مثله بشكل من أشكال الواقعالمحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه، ومركز القوى فيه،وتوازنه، وواضعا يده على الفراغات الجدلية فيه فيملؤها باستجابات الإثارة الجماليةالتي تحدث له"(4) وتفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها فينا الأعمالالأدبية ولاسيما الخالدة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله النصولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية بل ما يتركه العمل من آثار شعوريةووقع فني وجمالي في النفوس والبحث عن أسرار خلود أعمال مبدعين كبار وأسباب ديمومتهاوحيثيات روعتها وعبقريتها الفنية. كما تحاول هذه النظرية أن تعيد قراءة الموروثالأدبي والإبداعي من خلال التركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهموكيفية تعاملهم معها أثناء التقبل وطبيعة التأثير التي تتركها نفسيا وجماليا لدىالقراء عبر اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية. وهكذا يدعو كل من إيزر ويوس إلىإعادة كتابة تاريخ الأدب الغربي على ضوء جمالية القراءة لمعرفة الذوق السائد وطبيعةالتفكير والتفاعل بين الذوات والنصوص الإبداعية والمقاييس الجمالية التي استخدمت فيالتأويل عبر التطور التاريخي والتحقيب الأدبي والنقدي. يقول يوس في هذا الصدد: "إذاأردنا كتابة تاريخ أدبي جديد، من خلال رسم يعيد تكوينه، انطلاقا من بقايا الأعمالوالتفرعات التاريخية، والتأويلات، ودعاوي التواصل الأدبي المتخفاة تحته، علينا أننسارع إلى تاريخ التجربة الجمالية ونظريتها. وتظهر لي ضرورة كل هذا لأنه يمنحنا (الجسر الهرمنوتيكي) لبلوغ حقب بعيدة في الزمان وفي الثقافات الأجنبية ذات التقليدالأوربي".(5) ويشير إيزر أيضا إلى مدى أهمية إعادة تاريخ الأدب الأوربي اعتمادا علىشهادات القراء ورصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية أثناء تفاعل ماهو شعوري (القراءة) مع ماهو لفظي (النص): "كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف جمهور معين؟عن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات النظر وبعض الضوابط السائرةبين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، يمارس تأملهداخل الأدب. وهذا أيضا، صحيح حين يعمد تاريخ التلقي إلى شهادات، القراء الذينيطلقون، عبر فترات مختلفة من الزمن، أحكاما على أثر معين. وفي هذه الحالة، يكشفتاريخ التلقي الضوابط التي توجه هذه الأحكام مما يشكل نقطة انطلاق لتاريخ الذوق،الشروط الاجتماعية لجمهور القراء."(6)
وعليه، فإن العمل الأدبي قد يراعي أفقانتظار القارئ عندما يستجيب لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية عبر عملياتالمشابهة النصية والمعرفة الخلفية وقواعد الأجناس والأنواع الأدبية التي تعرفها فينظرية الأدب. ولكن قد يخيب توقعه ويفاجأ إذا واجه نصا حداثيا جديدا لم ينسجم معالقواعد التي يتسلح بها في مقاربة النص الأدبي. فعندما نقرأ الروايات الكلاسيكيةفإنها تراعي أفق انتظار القارئ الذي تعود على قراءتها من خلال معايير وآلياتتجنيسية وتحليلية معروفة. بيد أنه إذا أعطيت لهذا القارئ الكلاسيكي رواية حداثيةفإنها ستصدمه بطرائق فنية جديدة تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية بسببالانزياح الفني بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. ويعني أنهناك مسافة جمالية تربك القارئ وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا الخرق الفنيوالجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية ويجعلها خالدة مثل: رواية دون كيشوط لـ (سيرفانتيس) لدى يوس، ويقصد – يوس- بالمسافة الجمالية: "ذلك البعد القائم بين ظهورالأثر الأدبي نفسه وبين أفق انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة مناستقراء ردود أفعال القراء على الأثر، أي من تلك الأحكام النقدية التي يطلقونهاعليه. وهنا أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهوربالخيبة، إذ الآثار الأخرى التي ترضي آفاق انتظارها وتلبي رغبات قرائها المعاصرينهي آثار عادية جدا تكتفي، عادة، باستعمال النماذج الحاصلة في البناء والتعبير، وهينماذج تعود عليها القراء. إن آثارا من هذا النوع هي آثار للاستهلاك السريع سرعان مايأتي عليها البلى. أما الآثار التي تخيب آفاق انتظارها وتغيظ جمهورها المعاصر لها،فإنها آثار تطور الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، أو هي آثار ترفض إلىحين حتى تخلق جمهورها خلقا."(7) وهناك نصوص تغيير أفق انتظار القارئ الذي يجمع بينالذكاء والفطنة حيث يتعلم بسرعة كل ما هو جديد ويتكيف مع كل نص طليعي أو حداثي حيثيغير هذا القارئ من آليات قراءته وأدواته حتى ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. ويمكن لنا أن نوضح ما قلناه في هذه الخطاطة:
ويبدو أن الدراسةالأدبية عند يوس: "ليس تحليل النصوص تحليلا هيكلانيا مضمنا بها، وليس هو أيضااستعراض المعارف المتعلقة بالكاتب وبالأثر، وإنما هو التخاطب الأدبي من خلال ماتتسم به الأوضاع التاريخية والاجتماعية والثقافية من خصائص. إن موضوع الدراسةالأدبية هو أن نعرف كيف أجاب الأثر الأدبي على ما لم تجب عليه الآثار السابقة منقضايا، وكيف اتصل بقرائه أو خلقهم خلقا".(8)
وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذهالنظرية فيمكن حصرها في المفاهيم التالية: 1- ثنائية القارئ والنص ، 2- التأثير والتواصل ، 3- العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي ، 4- التحققوالتأويل ، 5- القارئ الافتراضي المثالي ، 6- أفق الانتظار ، 7- ملءالبيضات والفراغات والبحث عن النص الغائب ، 8- النص المفتوح ، 9- المسافةالجمالية.
أما عن مرجعيات هذه النظرية الأدبية، فإن روب هولمب يوجزها فيخمسة مؤثرات هي على التوالي: 1- الشكلانية الروسية ، 2- بنيوية براﯖ ، 3- ظواهرية "رومان إنجاردان" ، 4- هيرمينوطيقا "جادامر" ، 5- سوسيولوجيا الأدبفي نهاية الأمر. (9)
هذا، وقد كانت هناك مؤثرات وراء تشكل نظرية التقبل منهاالنظرية الفنومولوجية أو الفلسفة الظاهراتية التي ظهرت في ألمانيا مع هوسرل ورومانإنجاردان، وترتكز هذه الفلسفة على ترابط الفكر والوجود الظاهري للأشياء. وبتعبيرآخر، تؤمن هذه الفلسفة بتفاعل الذات والموضوع بطريقة تواصلية من الصعب الفصل بينالقطب الذاتي والموضوعي. أما المعنى فإنه يستخلص من خلال التفاعل والتواصل بين هذين
Warning: include(modules/articles/blocks/top_rate_articles_move.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/gn77nco/public_html/template/alhajerdesign_ashq/blocks.html on line 46
Warning: include(modules/articles/blocks/top_rate_articles_move.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/gn77nco/public_html/template/alhajerdesign_ashq/blocks.html on line 46
Warning: include() [function.include]: Failed opening 'modules/articles/blocks/top_rate_articles_move.php' for inclusion (include_path='.:/usr/lib/php:/usr/local/lib/php') in /home/gn77nco/public_html/template/alhajerdesign_ashq/blocks.html on line 46